عبد الكريم الخطيب

50

التفسير القرآنى للقرآن

يتصرف . . « إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » . . هكذا من أول الأمر . . فلم يكن آدم ابن السماء فلما عصى ربه طرد منها ليكون خليفة اللّه على الأرض ولو كان ذلك كذلك لما كان للملائكة أن ينفسوا على آدم هذه الخلافة ، التي تبدو في هذا التصور عقوبة وتجريما ، أكثر منها حباء وتكريما . ولكن آدم - وهو ابن الماء والطين - لا يتوقع منه إلا أن ينضح بما في الماء والطين ، وبما يتخلّق من الماء والطين ، من طبائع بهيمية ، تغرى بالعدوان والفساد . . وهذا ما جعل الملائكة يقولون هذا القول بين يدي اللّه ، في آدم وما يتوقع منه ، فما هو إلا إنسان في مسلاخ حيوان ذي مخالب وأنياب ! وذلك قبل أن يكشف اللّه لهم عن ملكات أخرى لهذا الكائن الترابي ، لا يملكها الملائكة ، في عالمهم العلوي ، عالم النور والصفاء ! وتلك آيات بينات ، تشهد لقدرة الخالق العظيم . الآيات ( 31 - 33 ) [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 31 إلى 33 ] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) التفسير : وهذا الامتحان الذي يعقد في الملأ الأعلى ، يكشف عن الاستعداد الفطري لتفوق آدم على الملائكة في العلم الذاتي ، الذي يكتسبه بالنظر والملاحظة والتجربة ، وبالمعاناة والمجاهدة ، الأمر الذي ليس من طبيعة الملائكة أن تعالجه وتعانيه .